السعادة حلم يسعى إليه الكثيرون، وربما الشعور بها في حياتنا اليومية أمر نادر، ويعتبر من أصعب الأمور التي يمكن تحقيقها، لكنه يصبح أمرًا سهل المنال إذا ما توفرت كلمة السر وخاصة لدى المرأة، (الذكاء الاجتماعي).
كتب إحسان عبد القدوس رواية ظريفة، أهداها إلى ابنة أخته، وهذه الرواية عبارة عن مجموعة من الآراء الاجتماعية التي تمسّ حياتنا اليومية الخاصة، وعلاقتنا الحميمة مع أقرب الناس إلينا، وتكلم المؤلف فيها على لسان امرأة تتحدث عن علاقتها بزوجها وأطفالها وصديقاتها، ويمكن أن نطلق صفة الذكاء على تلك المرأة بطلة الرواية.
وتدور أحداث الرواية في بيت من الطبقة الوسطى المثقفة، التي تقطن في المدينة، وتتحدث عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها تلك الطبقة، والتي بحسب اعتقادنا تمثل غالبية الناس في البحرين، لأن المستوى الاقتصادي والثقافي لدى أغلب الأسر البحرينية متقارب نوعًا ما مع مواصفات تلك البيئة، وبالطبع كلما تطور المجتمع تقاربت الطبقات وقلت الحدود والفواصل بينها.
والمجتمع الأمثل في رأينا هو المجتمع الذي تسوده الطبقة الوسطى المثقفة، والتي لا تنقصها الاحتياجات الضرورية، وتتوافر لديها الكثير من الاحتياجات الكمالية.
الذكاء الاجتماعي، له دور كبير في تحقيق السعادة التي يحلم بها الكثير من البشر.
الرواية تتحدث عن امرأة عاشت تجربة الحبّ، ثم تزوجت من أحبته وعاشت معه العمر كله، وأنجبت منه طفلين. وبعد أن كانت وظيفتها ربة بيت فقط، ذاقت تجربة العمل الوظيفي، وكان الناس يظنون بأنها تعيش أسعد حياة زوجية على الإطلاق، لكن المؤلف على لسان بطلته يقول: "السعادة التي يراها الناس هي الثوب الخارجي، لكن الناس لا تعرف كيف حِكتُ هذا الثوب ولا تعلم كيف أحافظ عليها وأصونه من البقع، لكي يبدو دومًا ثوبًا جديدًا ونظيفًا".
هذه المرأة عندما أحبّت، أحبّت بعقل وذكاء، ولم تفرّط في نفسها، وظلت على علاقة حبّ طاهرة لمدة سبعة أشهر، حتى عرض عليها الزواج، فالكاتب بشكل غير مباشر ينصح الفتاة بعدم الانجرار خلف عواطفها الجياشة، وعليها أن تتحكم في نفسها ولا تندفع خلف حبّها.
وفي خلال الفترة الزمنية ما قبل الزواج، اكتشفت في حبيبها خصائص ثلاث: الغرور، واللا استقرار، واللا مسئولية، ومع ذلك ولأنها تحبه قررت أن تتزوجه، واستطاعت بذكائها أن تحوّل هذه الخصائص لصالحها وصالح أسرتها وحياتها الزوجية، لكن كيف؟
كيف تُشبع غروره؟ كانت تحاول أن تكون أجمل فتاة في أي مكان يجمعهما، وتحاول إثارة اهتمامه واهتمام من حولها، لكي يشعر أنها فتاة مهمة، ولكي تُشبع غروره كانت تحاول أن تتظاهر بأنها ضعيفة جدًا إلى حد الانكسار، وأحيانًا تجعله يغار عليها بجنون، وأحيانًا تجعله يثق فيها إلى حد الغرور.
كيف تجعله مستقرًا؟ حاولت أن تقيّده بالهاتف، كان يحادثها في اليوم أربع مرات على الأقل، قبل ذهابه إلى العمل وأثناء العمل وقبل أن يغادره وقبل أن ينام، وجعلته يُدمن على صوتها حتى أصبح ينظم وقته وتنقلاته، فأصبحت حياته منتظمة ومستقرة في روتين يومي منضبط.
كيف تجعله مسؤولًا؟ بعد شعوره بالاستقرار، أصبح يتحمل مسؤولية عمله بجد أكبر، ثم بدأت تحمّله مسؤولية نفسها، تستأذنه كلما أرادت الخروج، وفي اختيار ملابسها، واختيار صديقاتها، وفي جميع تصرفاتها، وهكذا حتى أصبح رجلًا مسؤولًا عنها أكثر من والديها، آنذاك عرض عليها الزواج.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الزواج، فلقد كان وضعه المالي محدودًا عندما فاتحها في الزواج، لكن لأنها تحبه أصرّت على الزواج منه، ولم تحاول تقليد أخواتها وصديقاتها في المظهر، ولم تفكر في مركز عائلتها، ولم تحسب حسابًا لكلام الناس، لأنهم سيتكلمون في كل الأحوال.
وفي أقطار الخليج العربي يا ليت كل شخص يطبق المثل الشعبي: مدّ ريلك على قدّ لحافك.
للأسف وصلت ظاهرة حب المظاهر والفشخرة إلى حدها الأقصى في أغلب الأسر.
عودة إلى الرواية، كانت الزوجة تفكر فقط كيف تكيّف نفسها وحياتها على أساس دخله المادي، وأول ما قامت به هو استبعاد فكرة إقامة حفل زفاف كبير، واستعاضت عنه بحفل صغير، يضم أفراد الأسرتين والمقربين جدًا فقط، ومع الأيام ازداد دخله تدريجيًا وبدأت حياتهما الزوجية تزداد قوة، وعندما أنجبت، ازداد الترابط بين الطرفين وأصبحت لهما أسرة صغيرة يرفرف الحب والتفاهم في بيتهم.
كما عاهدت البطلة نفسها ألا تشكو لأي أحد، ولا تسمح لأحد أن يتدخل في علاقتها الزوجية، فهي التي عليها أن تتحمل المسئولية.
والسؤال هو: كم عدد الفتيات اللواتي يفكرن بهذه الطريقة ويمارسن هذا السلوكيات التي تدلّ على الحكمة والذكاء؟
--------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو







